لا شك أن الأحداث التى أصبحت تاريخاً اليوم كانت أحداثاً سياسية فيما مضى، ولا شك – أيضاً – أن الأحداث السياسية التى نراها اليوم سوف تصبح بعد اكتمال نتائجها، ووضوح آثارها تاريخاً فى المستقبل ؛ ذلك أن الباحثين فى التاريخ (المؤرخون) قد حددوا عدداً من المعايير لتحول الحدث إلى تاريخ، ومنها: استقرار النتائج، وظهور الأبعاد الكاملة للحدث، والزمن أو مرور الوقت الكافى الذى يسمح بدراسة الوثائق بموضوعية (تم تحديد من 20 إلى 30 عاما ليسمح القانون بعدها برفع السرية عن الوثائق الحكومية والأسرار الدبلوماسية، وفى بعض الأحيان وللسرية من 40 إلى 50 عاما).
وبناء على ماتقدم يصبح تناول أو الحديث عن جمهورية يوليو 1952م التى دشنت بقرار أو "إعلان دستورى "من مجلس قيادة الثورة فى 18 يونيو 1953م حديثاً فى التاريخ، ويصبح تناول الجمهورية الجديدة التى ظهر مصطلحها وبدأ فى الانتشار منذ مارس 2021 م عقب خطاب الرئيس "عبد الفتاح السيسي" في الندوة التثقيفية الـــ "33" للقوات المسلحة المصرية في ذلك الشهر، وما تم بعده من أحداث، أو الحديث عنها بمثابة حديث فى السياسة .
ورغم أننا بحديثنا عن السياسة الحالية / الجمهورية الجديدة لا نزال فى قلب الحدث الذى لم ينته بعد ولم يصبح فى الماضى، ورغم أن ثورة 30 يونيو التى أفرزت الجمهورية الجديدة لم تكن نسخة مكررة من ثورة 23 يوليو 1952م، كما لم تكن أسباب كل منهما واحدة، وبالتالى اختلفت تفاصيل نتائجهما، أو ما حققتاه أو ما عملتا على تحقيقه، إلا أن المدقق فى كلا الحدثين يجد قواسم مشتركة لا ولن يختلف عليها المؤرخون حالياً أو مستقبلاً، كما يجد – أيضاً – بعض الاختلافات البسيطة بينهما لا ولن يختلف عليها المؤرخون فى وقتنا الحالى أو فى المستقبل.
ولعل أبرز القواسم المشتركة بين الجمهوريتين تكمن فى الأتى:-
أولاً: السياق التاريخي للحدثين ؛ فكما أن جمهورية يوليو نشأت عقب ثورة 23 يوليو 1952 وانهت الحكم الملكي، وواجهت الاحتلال البريطاني، وواجهت كذلك الفوارق الاجتماعية الكبيرة، انطلقت الجمهورية الجديدة بعد ثورة 30 يونيو 2013م، بهدف تصحيح المسار وبناء دولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين، وبمعنى آخر كانت ثورة يوليو محطة لإعادة تشكيل الدولة الوطنية بعد مرحلة الاحتلال والملكية، بينما هدفت الجمهورية الجديدة إلى تحديث الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين، وهنا جوهر تلك القواسم المشتركة؛ إذ أن الدولة المصرية لم تهدم لتبنى من جديد، بل حافظت على مؤسساتها، وعملت على تحديثها، وإعادة تأهيل بنيتها الأساسية، وتطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية والإدارية. وهذا المعنى يتردد بوضوح في فلسفة الجمهورية الجديدة، التي ترى أن الإصلاح الحقيقي يقوم على البناء لا الهدم، وعلى التطوير لا القطيعة .
ثانياً: الاقتصاد والتنمية ؛ إذ اعتمدت جمهورية يوليو على الإصلاح الزراعي، والتأميم، والقطاع العام لتكون الدولة هي القائد الأساسي لعملية التنمية والعدالة الاجتماعية، وارتكزت الجمهورية الجديدة على إطلاق المشروعات القومية، وإقامة البنية التحتية الذكية، والتحول الرقمي، مع جعل المواطن محور التنمية عبر برامج الحماية والرعاية الاجتماعية المتنوعة، وبمعنى آخر وضعت ثورة يوليو التنمية الاقتصادية في قلب مشروعها الوطني فأنشأت (السد العالي، وتوسعت في الصناعات الثقيلة ، واقامت مشروعات قومية كبرى) شكلت قاعدة للتنمية لعقود لاحقة . وفي الوقت ذاته برزت فى الجمهورية الجديدة مشروعات قومية واسعة النطاق شملت تطوير شبكة الطرق والمحاور، وإنشاء مدن الجيل الرابع، وتحديث الموانئ، والتوسع في مشروعات الطاقة.
ثالثاً: إدارة الدولة والمؤسسات، وفيها ركزت جمهورية يوليو على تأسيس القوة الوطنية ودعم الاستقلال السياسي وتكوين الهياكل الأساسية للإدارة الحديثة، واهتمت الجمهورية الجديدة بترسيخ مفهوم الدولة الوطنية القوية بمؤسسات راسخة، مع الانفتاح على المعايير العالمية في الإدارة والتطوير التكنولوجي.
رابعاً: رغم تغير الظروف والأحوال المحلية والإقليمية والدولية فى نشأة الجمهوريتين، لكن تبقى حقيقة أن يوليو 1952م وجمهوريتها الأولى هى الثورة الأم التى أرست الأساس وأن ما جاء بعدها حتى وإن اختلف معها فى بعض التفاصيل لكنه امتداد لها، وعليه فقد جاءت الجمهورية الجديدة امتداداً للدولة الوطنية التى أسستها جمهورية يوليو 1952م ، بل أن تدشينها قد أكد على أن التاريخ والأحداث المصرية متصلة الحلقات، تتعاقب عليها الأجيال، وتظل فيها الثوابت الوطنية راسخة لا تتبدل، رغم تغير الأدوات والسياسات، كما كان تدشينها – أيضاً - تأكيداً على أن مسيرة بناء الدولة المصرية الحديثة هي مسيرة تراكمية، تبدأ من محطات مفصلية، وتتطور عبر الزمن، وتستجيب لكل مرحلة بما يناسب تحدياتها.
خامساً: أن الجمهورية الأولى بعد ثورة يوليو استندت بالأساس إلى المشروع القومى الذى وضع لبناته الرئيس "جمال عبدالناصر"، والذى واجه من أجله الكثير من التحديات من الداخل والخارج، واستطاع من خلال الشعب المصرى بكل فئاته وأن يواجه هذه التحديات وينتصر عليها، فى حين واجهت الجمهورية الجديدة بعد ثورة 30 يونيو ولا تزال تواجه تحديات الأمن القومى وبناء الإنسان وتتصدى للكثير من الأزمات الداخلية والخارجية وسط آمال استكمال المشروع الوطنى والإنطلاق إلى آفاق أوسع.
سادساً: رسخت كلا الجمهوريتين من الزاوية الاستراتيجية فكرة الاستمرارية المؤسسية، وهي من أهم مقومات الدول المستقرة. فحين يشعر المواطن أن دولته تتطور دون أن تفقد هويتها، وأنها تتجدد دون أن تنكر تاريخها، تتعزز الثقة في المستقبل، ويصبح التغيير أداة للبناء لا سببًا للاضطراب ؛ فكما دشنت ثورة يوليو مرحلة بناء الجمهورية وإنهاء النظام الملكي، وأسست لمؤسسات دولة حديثة تولت مسئولية قيادة عملية التنمية ، شكلت 30 يونيو نقطة انطلاق لمرحلة أعادت فيها الدولة ترتيب أولوياتها، مع التركيز على استعادة الاستقرار، وتعزيز كفاءة المؤسسات، والانطلاق نحو تنفيذ برنامج واسع للإصلاح الاقتصادي والتنمية، وفي الحالتين، احتلت الدولة الوطنية موقع الصدارة باعتبارها الإطار الجامع لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.
سابعاً: ارتبطت ثورة يوليو بحركة الضباط الأحرار التي سرعان ما حظيت بتأييد شعبي واسع، فيما ارتبطت 30 يونيو بخروج أعداد كبيرة من المصريين في مظاهرات طالبت بإجراء تغيير سياسي، أعقبها استجابة القوات المسلحة وإعلان خارطة طريق للمرحلة الانتقالية، ورغم اختلاف ظروف و طبيعة الحدثين، فإن كليهما مثل نقطة تحول في بنية النظام السياسي، وأسفر عن مرحلة جديدة حملت رؤى مختلفة لإدارة الدولة ومؤسساتها.
كما أن من أوجه الإختلاف "البسيطة " بين الجمهوريتين :-
أولاً : أن الجمهورية الأولى التى كانت نتيجة لثورة 23 يوليو 1952م كانت فى مواجهة الملك فاروق، الذى تفهم الأمر بصفته رجل دولة ينتمى إلى أسرة عريقة فى الحكم والسياسة، واستجاب إلى مطلب الضباط الأحرار بالتنازل عن العرش لنجله الذى الغيت الملكية فى عهده، بينما دشنت الجمهورية الجديدة فى أعقاب ثورة 30 يونيو التى قامت ضد حكومة الأخوان المسلمين وجماعتهم الذين كانوا ضد مفهوم الدولة الوطنية فى الأساس؛ ولذلك لم يقدروا أو يراعوا نزول أكثر من " ثلاثين مليون" متظاهر إلى الشارع ضد حكمهم ، بل ناصبوا مصر والمصريين العداء وشنوا ضدهم معارك إرهابية غاشمة، لذا لا يمكن أن نعتبر الجمهورية الجديدة تكراراً لجمهورية يوليو، وإن كانت تواصلاً تاريخياً وبناءً تراكمياً كما تقدم ، كما أن الطبقة / الفئة التي أضيرت من بعض إجراءات ثورة يوليو (كبارالملاك) لم ترفع سلاحاً ضد الثورة، أما في جمهورية ما بعد 30 يونيو، فقد واجهت مصر والمصريين جماعة إرهابية رفعت السلاح، واستعانت بالقوى الأجنبية مما زاد من حجم التضحيات، والكلفة الإنسانية والاقتصادية، كما واجهت الجمهورية الجديدة – أيضاً - مشكلة تأمين الحدود ، والتى كانت مستباحة من جماعات الإرهاب المسلح الذى حاول تأسيس «ولاية سيناء» بالعلم الأسود، فضلا عن الهجرات غير الشرعية وتهريب المخدرات، وخاضت قواتنا المسلحة مع رجال الشرطة المدنية والمواطنين حرباً حقيقية راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف شهيد وجريح حتى أمكن تأمين الحدود والانتصار على الإرهاب، ويأخذنا هذا السياق إلى الحديث عن تسليح الجيش فى الجمهوريتين؛ ففى جمهورية يوليو كان أحد أهداف الثورة "بناء جيش وطنى قوى" وتم بالفعل بناء جيش من أبناء مصر ، قام بالعبور فى السادس من أكتوبر سنة 1973م، وحرر سيناء، وهو نفس الجيش الذى حفظ البلاد وحمى المؤسسات فى يناير 2011 م وما بعدها، وهو الذى قام بحماية ملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع يوم 30 يونيو، ثم خاض حربًا ضارية ضد الإرهاب والإرهابيين.
ثانياً : احتلت العدالة الاجتماعية موقعًا محوريا في جمهورية يوليو 1952م ومشروعها، من خلال الإصلاح الزراعي، والتوسع في التعليم، ودعم التصنيع الوطني، وتوسيع دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية ، أما الجمهورية الجديدة فقد اتجهت إلى معالجة مفهوم العدالة الاجتماعية بأدوات تتناسب مع طبيعة الاقتصاد المعاصر، من خلال برامج الحماية الاجتماعية، وتطوير منظومة الدعم، وإنشاء المدن الجديدة، وتطوير الريف، وتحسين خدمات الصحة والتعليم والإسكان، إلى جانب إطلاق مبادرات تستهدف الفئات الأولى بالرعاية ، ويعكس هذا التطور انتقال مفهوم العدالة الاجتماعية من الاعتماد على التوسع في ملكية الدولة إلى التركيز على تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص التنمية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
ثالثاً: أكدت جمهورية يوليو على الدوائر الثلاث التي تهتم بها مصر، وهي: الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الأفريقية، ورغم أن مصرنا الحبيبة لا تزال تهتم بهذه الدوائر إلى اليوم، إلا أن ما يحسب للجمهورية الجديدة أنها أضافت إلى الدوائر الثلاث دائرةً جديدة، وهى الدائرة المتوسطية ، ويحسب لها وللرئيس السيسي شخصياً تلك الخطوة ، وفى هذا الأطار نستطيع أن نلمس نجاحا بكلا الجمهوريتين، كلا منهما بطريقتها الخاصة فى معركة استقلال القرار المصرى؛ ففى الخمسينيات شاركت مصر فى تأسيس دول عدم الانحياز، وتشكيل كتلة بعيده عن الاستقطاب بين الجانب الاشتراكى بقيادة الاتحاد السوفييتى والجانب (الرأسمالى) بقيادة الولايات المتحدة، ومع اختلاف الأمر حالياً بعد أن صار العالم منذ سنة 1990 محكوما بقوة وحيدة هى الولايات المتحدة ولابد من علاقة معها، وفى نفس الوقت بناء علاقات مع الأطراف الدولية المختلفة لتحقيق التوازن فى العلاقات الخارجية ، تعمقت العلاقات المصرية الصينية ، وكذلك العلاقات المصرية الروسية، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبى، الأمر الذى حقق توازنا فى العلاقات الخارجية واستقلالاً فى القرار.
وهكذا وجدنا قواسم مشتركة بين الجمهورية الجديدة وجمهورية يوليو1952م ، وتواصلاً جوهرياً بينهما، رغم وجود بعض الاختلافات فى أدوات ومعطيات العصر، وفى متطلبات المستقبل، حفظ الله مصر وجمهوريتها وشعبها وجيشها إلى يوم الدين.
-----------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد






